أعسر محايد
29 فبراير 2008ثلاثمائة شخص جائوا لتقديم اختبار في أحد التخصصات في جامعة محلية, كنت أحد الحضور حينها .. بعيداً عن رهبة الإمتحان تأملت المنظر من حيث العدد والترتيب .. قاعة ضخمة مهيبة فيها جائت في بالي أفكار لم تؤهلني لما سأتعرض له من “تمييز عنصري” بعد دقائق .. ما حدث هو أن المراقب المكلف بهذه القاعة فجأةً بارتجال منه واجتهاد شخصي محض أصبح ينادي “من منكم يكتب بيده اليسرى؟ رجاءاً فليرفع يده وليتفضل معي ..”.
الجلوس يتلفتون يمنة ويسرة وقد كانت لحظة حساب عسير لفئة دون أخرى, مع الأخذ بالإعتبار بأن هذا الموقف هو بعد بدء الإمتحان بعشر دقائق أي في بداية استعداد الممتحن ذهنيا بدخوله تلك الأجواء التي من السهل جداً التعكير على صفوها, أول ما خطر ببالي أنا وكل من يكتب بيده اليسرى هو أننا مذنبين! وحتى لو لم نكن كذلك فنحن سنقف وقفة شك وسنحمل أدواتنا وأوراقنا معنا لنرى ماهي التعليمات التي سيسطرها لنا هذا المراقب .. وكان ذلك, حملنا أدواتنا بإبتسامة مصطنعة وتفكير مشوش ..
انتهى الموقف بإضاعة للوقت لم يكن لها أي داعي والحجة لم تكن مقنعة أبداً ألا وهي أن من يكتب باليسار سيوجد مجال للذي يمتحن خلفه بأن يرى إجاباته؟.. بغض النظر عما حدث وعما قيل حينها استوقفتني حقيقة واحدة في هذه الحادثة ألا وهي أن من بين 300 من الحضور لم يقف معي إلا سبعة .. وحتى لو قلنا أن هناك من حاول استغفال المراقب فلن يزيدوا عن 3 مضافين إلى السبعة المذكورين .. عشرة أشخاص يكتبون باليد اليسرى من بين 300 ويزيدون ..
أعسر, أيسر, أشول .. أوصاف بمعنى أنك مختلف للأفضل أو للأسوأ .. واحد من كل عشرة, تعتبر من الأقلية .. البعض يراك بمنظور النقص والآخر يراك بمنظور الإختلاف والتميز وقد يكون هناك من يراك بالمنظور الإيجابي؟ .. لأنك من أهل “الشمال” ولست من أهل “اليمين” وقفت بوجهك العادات والأعراف ورمتك بتهمة أنك مختلف عنهم ومنشق عن صفهم, تتساءل في شرود .. كيف أصبحت أعسر, ومتى ولما ولماذا, تساؤلاتك لا تلقى إجابة مباشرة, لأنك في عالم تسعة أعشاره .. بل أكثر, ليسوا من لونك ..
إن كنت ذلك الشخص الذي يستخدم يده اليسرى أكثر من يده اليمنى عند فعلك للأمور الأساسية من أكل وكتابة وغيرها فأنت تعتبر رسمياً أعسر وأيضاً إن كنت تستعمل اليدين بشكل متبادل مع الأساس الأيسر فأنت تعتبر وقتها أعسر كذلك .. إلى الآن لا يزال العلم غير قادر على استيعاب الهالة التي تحيط بأصحاب اليد اليسرى وتمت إحالة “التهم” إلى الجينات وإلى الهرمونات وإلى أشياء كثيرة ..
التاريخ ظلمهم واللغة هضمت حقهم .. فاليساري هو المتطرف والشاذ عن المعتاد وقديماً كان دائماً هؤلاء الذين يستعملون يدهم اليسار موصوفين بأوصاف أقل ما يقال عنها أنها شنيعة .. أن تكون مختلف في زمان مضى لم يكن بالشيء الجيد ولا نزال .. يقيناً لدي حقيقة واحدة وهو أننا كأشخاص يستعملون يدهم اليسار واجهنا بعض التمييز وبعض المواقف المحرجة خلال حياتنا الشخصية والعملية .. أترك لكم أنتم ضيوفي الكرام حرية مشاركتي تجاربكم ورؤيتكم لهذه الظاهرة .. وأبين لكم نتيجة إستفتاء جرى في موقع نجدي محايد على مدى أكثر من شهرين وبمشاركة ما يقارب المائة مدون ومدونة ومن الزوار الكرام ..