أرشيف شهر ديسمبر 2007

نقص حضارة

21 ديسمبر 2007

الحضارة بالسالب والموجب في مجتمعنا السعودي .. والمجتمع العربي “الإسلامي” .. سمعتهم يقولون تنقصنا الحضارة وسمعناهم أيضاً يتهمون الحضارة ولكن سمعت عقلي أيضا وقد قال لي اترك عنك هذا الضجيج الفارغ وابحث بنفسك عن الإجابة .. عندما ترى جموع من الشباب متجمهرين بطريقة بدائية مصدرين أصوات بهائمية عشوائية في أحد الشوارع التجارية الرئيسية متعرضين للمارة متبعين مبدأ الثقافة الشعبية الذي يسمح لهم بالتعرض لمن لا يوافقهم في المظهر ولا في التخلف ولا في فوضاهم “الخلاقة” .. عندها لك أن تتخيل الهدف من الحضارة في تهذيب أخلاق من لا عمل له ولا شاغل ..

عندما تقف في طابور بانتظار دورك في خدمة ما فقط لتجد شخص يأتي من الخلف بكل ثقة وبرود ينطح أكتاف الرجال من حوله ليأخذ مكانك وصدقني لن يكلف نفسه بكلمة اعتذار فالثقافة الشعبية تتدخل لتفرض أبجدياتها .. لا تعتذر, فالإعتذار ضعف وهزيمة (ترقبوها قريباً .. تحليل ثقافة “خلك ذيب” التي سأناقشها في أحد إنتاجات نحدي محايد القادمة!) عندما يحصل لك هذا الموقف البسيط اسأل حينها عن الحضارة الحقيقية وطريقتها في إيجاد إتزان بين طبقات المجتمع باختلافها .. عندما ترى استخفاف تام “بالآخر” .. أياً كان الآخر .. لا وزن له ولا قيمة إن لم يكن “منهم”, عندها ستحتاج قليل من محلول الحضارة السحري لكي تفك أزمتهم ..

في البداية .. الحضارة ليست إنتاج غربي, لأني متأكد أن الكثير منا مستعدين أن يربطون الحضارة مباشرة بالفساد والإنحلال الأخلاقي لكي يقفل على نفسه أي باب للمساومة ويزيح عن نفسه هم التفكير .. كل ما هو آتي من الخارج فهو فاسد وتأثيره علينا سيكون الفساد .. فلسفة بسيطة مناسبة لإنسان بسيط .. ولكن للإنسان الأقل بساطة والأكثر تعقيد فينا هناك تفسير آخر .. إذا أردنا أن نفهم الحضارة على أساسها الصحيح فأبسط مرجع لنا هو الدين الإسلامي, النظام الأكمل في الوجود بلا منازع ..

العرب الآن هم أتعس جيل مطبق للدين الإسلامي الذي هو ليس مجرد نظام ديني للإحكام على الروح بل هو نظام عملي متكامل للجسد والروح, للدين وللدولة .. العرب الآن, أنظمة سياسية فاشلة, وبشر متناحرين مختلفين, وحروب قصيرة الأجل, طويلة الأثر والمدى .. مجملاً, الدين قد يساعدهم على السيطرة على عيوبهم حتى وهم في هذه الحالة العصيبة ولكن بما أنهم لم يلتفتوا للنور فالنور لن يضيء لهم .. إذن نستمر بالمسير ونصل إلى استنتاج وهو أننا مجبرين بأن نكون مفهوم للحضارة بخليط من المبادئ المستقاة من الدين زائداً المبادئ الغربية الناجحة التي لا تتعارض مع مفاهيم إسلامية لأن للأسف الثقة بأهل الدين في العالم العربي قد اهتزت وذلك لعوامل كثيرة ولا ذنب للدين في ذلك ..

فلو أتينا باختراع مصري حديث وآخر ألماني وخيرناكم ماذا ستختارون؟ الإجابة واضحة وتبين مدى ثقتنا بأنفسنا للأسف! .. لا يهمني كيف تصل بهم للحضارة ولا يهمني الثمن بقدر ما يهمني الهدف .. دعهم يعرفون لماذا هم هنا ودعه يعي بأنه ليس أفضل من غيره لا بنسب ولا بحسب ولا بأصل ولا بفصل .. ودعه يستيقن أن الله والرسول قد شهدوا لـمن كانوا وسيكونون “أحاسننا أخلاقاً” .. إذن نقص الحضارة مرض شديد الفتك بما تبقى من ضعفنا .. فالحل يجب أن يكون إما عزل إجباري للعينات المريضة!! أو محو تام لها!! ولا عزاء لمن رضي لنفسه أن يكون مرضاً خبيثاً فالله قد يبتلي غيرك فيك ولكن لا تزال أنت من تحدد مصيرك بنفسك فلا تقل وجدت آبائي على هذا بل قل وجدت نفسي على هذا .. متى يستشعر الإنسان التحضر؟ المسألة ليست مباني نظيفة ولا لبس جميل أو “تمدن اصطناعي” لا بل المسألة أعمق .. الموضوع يتحدث عن شعور بالقناعة بقيمة الفرد أياً كان, شعور بالمسؤولية تجاه الغير والنفس, احترام الغير واحترام المكان ..

فاصلة أخيرة, لا أزال لست متفائلاً لأنني متأكد بأني سأخرج غداً في يوم آخر لصلاة الجمعة لأصلي وسأجد أمامي احتفالية جميلة تعزز مفاهيم الحضارة كلها لدي برؤيتي ذلك السائق النجيب الذي سيرمي بثقل مركبته من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار في شارع مزدحم متجاهلاً الحدود الفيزيائية والمنطق وجميع قوانين المرور المعروفة للبشر وسيرميك بأسوأ الشنوع والأوصاف لأنك قد أخطأت بحقه فبأي حق تأتي أمامه؟ وفي نهاية الأمر سيركن سيارته تماماً أمام سيارتك عند المسجد ولن تسمع منه كلمة “عذراً” أو “آسف” لأن ما لم ندركه هو أن ثقافة “خلك ذيب” قد استشرت في دمه واستحكمت فجعلت من الشارع “شارع أبوه” وجعلت منا نحن يا معشر السائقين المصلين المواطنين المساكين “سواقين عند أبوه” !!