المناطقية والمنهج .. تعارض ام تكامل؟
11 يونيو 2009
سألني أحد القراء الكرام: “المدونه جميله وراقيه الى أبعد الحدود , ولكني أتساءل دائما عندما تعرف نفسك (في اسقاط مناطقي واضح) بأنك نجدي وفي نفس الوقت محايد ألا يعد هذا تناقض يستدعي التفسير كحق متوجب للقراء ؟”
أقول: أشكرك عزيزي على ثنائك لشخصي البسيط وأوافقك فيما أشرت إليه من تناقض لفظي بين الحياد والمناطقية, ولكن في نظري قد يكون جمع المتناقضات فيه من الجمال ما يبهر فلو رأيت الغني القوي, رقيق النفس متواضع .. أليس بالشيء الجميل ولو رأيت الفقير المحتاج, عزيز النفس معطاء .. أليس بالشيء الذي يذكر.. إذن التناقض فيه جمال في بعض حالاته ولكنني سأبين بالسطور القادمة أن مرادي مختلف عن ما هو ظاهر فالنجدي و الحجازي و الشامي هم مجرد أوصاف مناطقية مجردة من أي اتهام أو عنصرية لشخص ما ويكفينا كمثال أطهر الخلق محمد الرسول عليه الصلاة والسلام وهو المرسول القرشي الشريف من عرب مكة الذي لم يأمر بطمس الأنساب أو إخفاء الأنتماء كما فعلت بعض الأنظمة الإشتراكية الزائلة في زماننا المعاصر .. لم يفعل ذلك لأسباب كثيرة ومتداخلة, ومنها طبيعة غريزة الإنتماء الفطري المتأصلة في الإنسان ومع ذلك حقق العدل والحياد والرخاء لبني البشر .. فنصل هنا إلى استنتاج أولي ألا وهو أن المناطقية المجردة من العصبية المذمومة والنهج السليم برأيي لا يتعارضان أبداً بل هما مكملان لبعضها الآخر ..
إذن لا تعارض بين إنتماء الشخص والحياد في منظوره, إذا استوعبنا الحياد بمعناه الصحيح وطبقناه وكفلنا حقوق الجميع في منهجنا بغض النظر عن منطقته وأصله .. مع اليقين بأننا بعيدين كل البعد عن عصمة ومثالية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وحياده في أمور حياته وعدله بين الناس وهو النبي المختار عليه السلام ونحن البشر الآثمة الذين جعلنا الإنتماء مطية للكثير من الجرائم والحروب عبر التاريخ .. ولكن عموماً المبدأ السليم واحد وقابل للتطبيق .. فالتسمية إذن ليست هي القضية بالنسبة لي ولم تأتي مباشرة ولكنها نتيجة مواقف فكرية مستمدة من الواقع فضلت أن أضع نفسي فيها رغم انني لست بكفؤ لتمثيل هذه المواقف بشكل مثالي وهي برأيي مواقف سليمة مسالمة وبناءة .. فالشخصية العربية عموما, شخصية ذات تصرفات ومواقف فكرية وردود فعل متوقعة .. هي لا تحتاج إلى تحليل فأغلبها تميل إلى الإقصاء والتقليل من الآخر أيا كان والإزدواجية في الرأي والتقدير على أسس خاطئة إما مادية أو عنصرية وأقول أن هذا التشخيص هو حالة ثقافية عامة تنطبق على أغلب العرب بلا استثناء لكي لا يترجم كلامي على أنه موجه لفئة معينة أنا منها, بل ولله الحمد والمنة اتفقنا كعرب أن نكون مليئين بهذه العيوب!
فرأيت حينها بدافع داخلي بحت أننا افتقدنا لوجود آراء منزوعة الميول عادلة في النقد قليلة المجاملة في ثقافتنا العربية المعاصرة عموما .. وأهل مكة أدرى بشعابها فأنا عربي مثلكم, فخور بعروبتي وانتمائي ولكن .. أبين أنه سيؤخذ كلامي الآن على أنه بكل بساطة مقارنة عادلة لا تخص منطقة أو شعب معين .. مقارنة موزونة بين: أي ثقافة سائدة تحترم القوي وتهابه وتهمل الضعيف وتهضم حقه, تزن الأمور على أساس خاطئ مهملة الضمير والأخلاق .. وبين ثقافة تريد الظهور بمعالم بسيطة ولكن سليمة, لا تقبل الخطأ حتى لو كان مدعوم ومنتشر, تقاومه بأضعف الإيمان .. في القلب أو في أحسن الأحوال باللسان, واليد ليست خيار لأننا لسنا في مواجهة بل نحن في محاولة لتقريب الناس إلى طرق العيش المسالمة المبنية على أساس أخلاقي ديني صحيح بقدر المستطاع رغم الإختلافات بين الناس والشعوب ..
وهذه الأراء المثالية قد تكون مستحيلة التطبيق في رأيي وذلك لطبيعة نزعة البقاء الفطرية التي تلزم على الإنسان فرض وجوده بما يضمن سيطرته وسواده كون الإنسان يجب أن يتبع مجموعة يتجزأ منها سوا كانت قبيلة أو تحالف, أو كما في الوقت الحديث دول وجمهوريات وحتى في عالم الحيوانات نرى أن البهيمة لا تترك القطيع لفطرة فطرها الله عليها وأرى بالإضافة إلى ذلك في تشخيص واقعنا كعرب حالة الإحتقان التي تعاني منها الشعوب العربية في أغلب مجالات حياتها التي تجعلنا فريسة سهلة لهذه الأمراض الثقافية والإجتماعية .. كوننا الآن في زمان حديث يجعلنا لا نحتاج لكل هذه الجرعات الكبيرة من هذا الإرث الفطري لأننا نحتمي بالقانون ونفعل الأنظمة لحفظ حقوقنا وجعل حياتنا كمجموعات كبيرة تسير بالشكل القويم, ولكن مع احترامي نحن العرب لا نزال من سكان العالم الثالث المطور! فالنظام والقانون لدينا لا يزال طفل يحتاج لمن يرعاه .. لا نحترمه ولا نهابه ونتحايل عليه .. والطفل لا يزال يبكي ..
لكي لا أبتعد عن محور حديثي كثيراً الهدف من ما قلت هو أن نجمع بين خيرين في ثقافتنا الجماعية لو أمكن ذلك, بما أننا نملك الكثير من المقومات ماديا وثقافيا وتاريخياً كعرب .. الأول منها هو أن يكون الفرد فخور بالمجموعة التي يتفرع منها ولكن أن لا يكون مجرد مكبر لأصداء المجموعة الجيد منها والسيئ .. الفرد له حرية التفكير والقرار التي كفلها خالقه فلماذا نخشى من مخالفة الإتجاه السائد ثقافيا السلبي لدرجة أن تصل التنازلات إلى مستوى الآراء المحفوظة في القلوب والمنطوقة على الألسنة .. فالتظالم بشع والبشر إذا تقبلوا شيء ما وتغاضوا عن بشاعته فهنا وهنا فقط تلزمهم المسؤولية جميعاً بلا استثناء ويحق عليهم العذاب وتلزمهم المراجعة .. هنالك أمور بأساسها تنبع من الميل والهوى كالحب والكراهية .. أما ما نعانيه نحن فهي أمور تحدد مصير ثقافة بأسرها وأمة بأكملها .. والشي بالشيء يذكر, لا نزال في خير ولا نزال ننعم بوجود أناس نور الله في ألسنتهم وأعمالهم يأتون من كل حدب وصوب من عالمنا الإسلامي, قلوبهم تشمل الجميع, لا تحدها حدود ولا نقاط تفتيش, عادلة بلا أحكام مسبقة ولا تفريط, ميزانها لا إله إلا الله, اختصروا حديثي كله بكلمة “كلكم لآدم وآدم من تراب” ..


